الجمعة:
2026-09-11

خالد.. محارب استثنائي في الحرب على كورونا

نشر بتاريخ: 03 مايو، 2020
خالد.. محارب استثنائي في الحرب على كورونا

رام الله مكس- كتب يوسف الشايب: لم يكد خالد الأحمد (45 عاماً) يرجع من مهامه كضابط إسعاف إلى منزله في الرابع من آذار الماضي، حتى استدعي في اليوم التالي؛ ليكون فدائياً بارزاً في الحرب على “كورونا” بمحافظة جنين، إثر إعلان حالة الطوارئ للحيلولة دون تفشي الفيروس، فهو الذي يواصل العمل على “دبابته” البيضاء والحمراء، أي سيارة إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني، والتي لم يغادرها باتجاه منزله منذ ما يقارب الشهرين.

يعمل الأحمد في سيارة الإسعاف الوحيدة التي تم تجهيزها للمعركة المتواصلة ليل نهار، وفي كافة أرجاء المحافظة، مدينة وبلدات وقرى ومخيمات، متقلباً على جمر الرعب من إصابته وأيّ من ذويه أو زملائه بالفيروس الذي قلب العالم رأساً على عقب، وغيّر حركة عقارب ساعة الكون اليومية، مقتحماً أماكن وعرة وخطيرة، في تعاطيه مع عدو لا مرئي، حتى أنه وصف عمله في هذه الفترة بالأصعب قاطبة، مع أنه تعاطى مع ظروف معقدة خلال اجتياحات الاحتلال المتكررة للمدينة ومخيمها وبعض بلداتها، فالوباء هذا أكثر رعباً، فـ”أنا لا أعرف مع من أتعامل، وما هي تحركاته، وأين يتمركز، كما لا يمكن لي التنبؤ بوقت انتهاء هجومه المتواصل علينا وعلى العالم”.

ولا يزال ذلك المقطع لابنه محمود، والذي فاجأه به عبر “واتساب” محتفلاً بعيد ميلاده العاشر، ومعبراً عن افتقاده لوالده، يحفر عميقاً داخل الأحمد، الذي اختنق صوته بعد أن تسلل الدمع بكثافة إلى حنجرته، وهو يعاتب نفسه كيف نسي في خضم معركته مع “كورونا”، أن يهاتف ابنه على أقل تقدير مهنئاً إياه بذكرى يوم مولده، في حين ضحك حين روى حكاية ذلك المسن الذي خالت أسرته أنه مصاب بالفيروس بعد أن تعرض للإغماء، وكيف حين استفاق ووجده أمامه بلباسه الأبيض الكامل ابتسم ابتسامة عريضة، لاعتقاده بأنه في حضرة ملاك بالسماء، قبل أن يعود ليعبس بعد أن استدار تجاه صوت أبنائه.

وكما هي الحكايات كثيرة وتتأرجح ما بين طرفة وألم، هي الحالة النفسية للأحمد، الذي زار منزله مرتين فقط، ولدقائق معدودة لم يغادر خلالها سيارة الإسعاف، وكان يشير إلى أسرته ويحدثهم من خلف زجاجها، بل إن زيارتيه كانتا بهدف إمدادهم ببعض النقود.

ومنذ بداية الأزمة، تقرر عزل سيارة إسعاف واحدة في محافظة جنين لأغراض مكافحة الوباء، والتعامل مع الحالات المشكوك في إصابتها وأحياناً مع مصابين، لعدم إمكانية عزل أكثر من سيارة، بل إن القرار كان بعمل شخص واحد فقط عليها، بحيث يمنع عليه الوصول إلى مركز الإسعاف والطوارئ في المحافظة، كما هو حال منزله، للحيلولة دون إصابة أيّ من أفراد أسرته، أو من طاقم المسعفين، وكان هذا المحارب هو خالد الأحمد، الذي يبيت حين يستطيع ذلك، ودون وقت محدد، في قرية حداد السياحية.

ويصف الأحمد اللباس الذي يرتديه للوقاية من الفيروس بالـ”خانق” و”الحارق”، خاصة أنه يرفع حرارة الجسد، وبالتالي نزعه أو جزء منه، لا سيما الكمامة، قد يتسبب بما لا يحمد عقباه من الناحية الصحية، فالجسد ما بين جو حار وبارد يفقد الكثير من مناعته كما يؤكد، وهو الذي واصل ولا يزال يعمل حتى حين تعرض لمعرض معوي.

وقال الأحمد لـ”الأيام”: حين يتوجه فريق الإسعاف إلى أحد المنازل، ويشك في إمكانية إصابة من توجهوا إليه بالفيروس، يستدعونني على الفور للتعامل مع الحالة.

وأضاف: لولا أنني أمتلك خبرة في التعامل مع الأمور، وأعرف أنني أتعاطى مع فيروس خطير ومجهول، وإلا لتملكني الانهيار، مع أنني أمر في عديد الأحيان بظروف نفسية صعبة بل غاية في الصعوبة، خاصة أنني سأبقى أقارع هذا الوباء في جنين إلى حين انتهاء المعركة بانحساره أو اختفائه أو بإصابتي بالفيروس، وحينها سيضطر زميل لي من بين زملائي لتولي هذه المهمة، والذين يتعاطون الآن مع الحالات المرضية الأخرى أو حالات الولادة أو إصابات الحوادث المختلفة لما يقارب ثلاثمائة ألف مواطن.

ويعمل الأحمد في حرب “الكورونا” بجنين سائق إسعاف، وضابط إسعاف، ومسعف، بحيث يبدو كأنه في “مونودراما” يجسد فيها كل الأدوار منفرداً على مسرح لا حدود له، وفي عرض فانتازي لا يخلو من رعب، ولا يعرف أحد متى يسدل الستار، ليصفق الجمهور، فهو الوحيد الذي لم يغادر الجبهة في فريق جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني منذ قرابة الستين يوماً، وهو الأوحد في مواجهة الفيروس التاجي بمحافظته التي تعاني أيضاً من ثغرات كثيرة تسمح لتسلسل العمّال من وإلى داخل الخط الأخضر.

وقال: منذ أيام وأنا أنشر مقاطع مصورة لي كسائق وضابط إسعاف خلال الاجتياحات عبر تطبيق “واتساب”، وأعقب بأن هذه الأيام أصعب بكثير، رغم أننا كنا نتعامل مع إصابات صعبة، وندخل أزقة مظلمة وكأننا في مدينة أشباح بفعل الاحتلال.. الكورونا عدو خفي، ويمكن لمن يصاب به وإن شفي أن يصاب مرّة أخرى كما بتنا نلاحظ، ما أدخلني في ظروف نفسية صعبة، أمام حالة الضبابية هذه، حيث لا إجابات، بالفعل أبدو كمن يدخل في حرب هي الأصعب منذ عملي الميداني في العام 2007.

لا يزال الأحمد يقاتل “الكورونا”، وهو على أهبة الاستعداد دوماً؛ ليس لقناعته بأن هذا واجبه فحسب، بل لأن “البلد بحاجة إلنا أكثر من أي وقت”، معرباً عن أمله بأن تنتهي الجائحة قريباً، وأن يتمكن من قضاء عيد الفطر برفقة أسرته، فهو الذي يعيش يومياته الرمضانية ما بين سيارة الإسعاف، ومخدعه وحيداً، وبرفقة بعض الزملاء من أطباء على مائدة الإفطار، مع مراعاة حالة التباعد واتخاذ إجراءات الوقاية، وهو الذي سبق له أن نقل عمالاً ومصابين ومشتبهين بإصابتهم بالفيروس، ولا يزال.