
رام الله مكس: بقلب الأم الذي تحمله في داخلها وإصرارها على إيجاد حياة كريمة لطفلها، حتى وإن كانت التحديات التي تعترضها كبيرة، استطاعت سيرين عبقين، بوعيها وقوتها، أن تكون جزءا من تغيير واقع طفلها الذي يعاني شللا دماغيا.
هي لم تقبل أن تقف مكبلة اليدين، بل على العكس، سعت لأن تكون أما بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بحبها وحنانها وصبرها تمكنت من أن تحتضن طفلها وترعاه بكل ما أوتيت من طاقة وإيمان وإمكانيات.
مرورها بهذه التجربة كان حافزا لها لتتعرف إلى أشخاص مسكونين بالأمل، يتشاركون مع طفلها راكان التجربة ذاتها حتى وإن اختلفت التفاصيل. التطوع كان بوابتها للعبور إلى حياة جديدة لم تكن تعلم عنها شيئا من قبل، إحساسها بالمسؤولية تجاه طفلها وتجاه كل من يعيشون الظرف نفسه دفعها لأن تقدم وقتها وجهدها من أجل تحسين حياة أطفال أقصى ما يحتاجونه هو قلوب تحبهم بصدق وأياد معطاءة قادرة على مساندتهم ودعمهم.
تقول سيرين إن البداية كانت قبل حوالي (13 عاما) عند ولادة طفلها راكان، وكان التحدي الأصعب، حسب رأيها، هو عدم وجود خبرة بهذا الموضوع لديهم كعائلة، وكان غريبا بالنسبة لهم، وخاصة أن الأطباء أجمعوا على وجود مشكلة لدى راكان وتم تشخيصها لاحقا على أنها شلل دماغي.
حينها، لم يكن أمامهم حل سوى أن يتعايشوا ويتأقلموا مع الواقع، وكأم، رأت أن تبحث عن أشخاص مروا بتجربتها ذاتها حتى تستفيد منهم ويكون بمقدورها الاهتمام بطفلها أكثر وتأهيله قدر الإمكان لكي يحصل على شيء من الاستقلالية.
نجحت سيرين في الوصول إلى مجموعة من الأهالي، الذين قاموا بعد ذلك بتأسيس جمعية “سنا”، مشيرة إلى أن الدور الذي كانت تلعبه الجمعية في البداية هو تقديم الدعم المادي لأسر لديها طفل من ذوي الإعاقة الذهنية، غير أن الصعوبة تكمن في قلة المصادر التي بإمكان الأهل الاستعانة بها لتعينهم على توجيه طفلهم بالشكل الصحيح والعمل على تطوير قدراته قدر المستطاع.
هي تجد أن المصادر تكاد تكون معدومة إلى حد ما، الأمر الذي يجعل الوضع مربكا بعض الشيء، مبينة أن جمعية “سنا” تسعى أولا إلى التخفيف عن الأهل وتمكينهم ماديا ليستطيعوا أن يحسنوا من أوضاع أبنائهم في مراكز التربية الخاصة.
وتلفت إلى أن الخدمة في المراكز الحكومية تقتصر بالغالب على الرعاية أكثر من التأهيل، لهذا السبب يلجأ الأهل إلى المراكز الخاصة رغم أنها مكلفة جدا، لكنها على الأقل تولي اهتماما واضحا للجانب التأهيلي، حسب قولها. وتبرر ذلك بضرورة أن يكون عدد الطلبة قليلا بالمقارنة مع عدد المعلمين والمعالجين ليحصل كل طالب على حقه من الرعاية والتأهيل بالكامل.
ووفق قولها، لم تأخذ جمعية “سنا” وقتا طويلا حتى أدركت أهمية الدعم المعنوي للعائلة أيضا، واحتياجها الكبير للمساندة النفسية لأنه، وحسب قولها، ليس من السهل أبدا على الأهل وجود طفل لديه تحديات ذهنية، وخاصة عندما لا يكون هناك أي ارتباط بمجال ذوي الإعاقة.
سيرين، كأم ومتطوعة، تجد أن تأسيس جمعية “سنا” التي تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية، خطوة مهمة جدا لكونها أتاحت للأهالي فرصة الالتقاء ببعضهم بعضا ومشاركة التجارب وكسب الخبرات، إضافة للمساندة والاحتفال معا بإنجازات أبنائهم.
دعم هذه العائلات معنويا سواء الأب أو الأم أو الأخت أو الأخ، أمر بغاية الأهمية، بحسب سيرين، حتى يكون باستطاعتهم التعامل مع الطفل، وبطريقة تضمن لجميع الأطراف الراحة والتوازن والتقبل، كما من الضروري على الأهل التصفيق لأي تقدم في حالة الطفل مهما كان بسيطا والوقوف إلى جانبه في كل خطوة يخطوها نحو تطوير مهاراته.
وتنوه إلى أن التقدير يكون أعمق وأعظم بين الأشخاص الذين يتشاركون الظروف نفسها ومهما اختلف الوضع الاجتماعي لهذه العائلات أو تنوعت جنسياتهم وبيئاتهم، إلا أن الترابط يكون متينا بينهم كعائلات تضم طفلا من ذوي الإعاقة، لافتة إلى أن التطور الحاصل عند طفلها راكان يعد بطيئا نوعا ما، لكنهم جميعا كعائلة يتعاونون من أجل إعطائه كل الفرص ليعيش الحياة كأبناء جيله، ولا يتوانون نهائيا عن تقديم كل ما في وسعهم لإشعاره بأنه جزء من المجتمع من حقه أن يستمتع كبقية أقرانه. وكعائلة، يسعون بكل طاقتهم لخلق تفاصيل كفيلة بأن تسعد راكان وتمده بالقوة لكي يستمر بحياته رغم وجود العراقيل.
أما عن عمل الجمعية، فتقول سيرين، باعتبارها عضو مجلس فيها، إن لدى الجمعية ثلاثة برامج؛ أولها الدعم الأسري الذي تشرف عليه هي شخصيا، وثانيها برنامج المنح الدراسية وكذلك البرنامج المعني بالتشغيل، إضافة إلى الجانب التوعوي الذي يكون من خلال المقابلات والمنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
هي كمسؤولة عن برنامج الدعم الأسري، توضح أهمية هذا البرنامج بالنسبة للأهالي ودوره التثقيفي في تمكينهم أكثر وتقريبهم من أبنائهم من ذوي الإعاقة، إذ يقوم البرنامج على ثلاثة أقسام مهمة؛ قسم يعنى بالأمور الصحية والتأهيلية للأبناء، وقسم آخر ترفيهي الهدف منه تغيير نفسية الأهالي وإبعادهم مؤقتا عن أجواء الإعاقة حتى يستطيعوا أن يكونوا أقوى قادرين على الصمود في وجه التحديات مهما كانت. أما القسم الأخير فهو قائم على التوعية بين الأهالي ومشاركة التجارب معا والحديث عنها بوضوح بقص الإفادة.
وتنوه إلى الدور الكبير لمجموعات الدعم الأسري التي تعد تقريبا أهم مصدر لتزويد الأهالي بالمعلومات عن أبنائهم وعن الطريقة المناسبة للتعامل معهم، وقد بلغ عددها اليوم 15 مجموعة في مناطق مختلفة من المملكة. وتؤكد أن عملهم كجمعية مختصة بالإعاقة الذهنية وأهال يواجهون الكثير من التحديات يجب أن يكون من منظور حقوقي وليس إنسانيا، وذلك لكون الأشخاص من ذوي الإعاقة أشخاصا أردنيين لهم الحق في التعليم وفي العمل وفي الدمج اجتماعيا.
وتتابع “صحيح هم أشخاص لديهم احتياجات مختلفة ومكلفة نوعا ما، لكنهم أيضا يستحقون أن تذلل أمامهم كل السبل ليحظوا على الأقل بجزء من الاستقلالية”، مشيرة إلى أن الأبناء الآخرين لهذه العائلات ولكون لديهم إخوة من ذوي الإعاقة يكون إحساسهم بالمسؤولية تجاههم عاليا جدا، وأيضا لديهم ثقافة كبيرة في مجال الإعاقة، ويتعلمون تقبل الاختلاف والقدرات، وهذا بالطبع يزيد من التقارب بين أفراد الأسرة ويكونون أكثر حبا وتماسكا من أجل تحقيق الاستقرار النفسي.
وتوجه سيرين رسالة لكل العائلات التي تحتضن ابنا من ذوي الإعاقة “أنتم كأهال، إن لم تكونوا جزءا من الحل، فأنتم جزء من المشكلة، والمطلوب منكم أن ترفعوا من درجة الوعي لدى المجتمع من أجل أبنائكم”، والابتعاد عن النظر إلى النصف الفارغ من الكأس، بمعنى أن يكون التركيز على ما لدى الأبناء من قدرات ونقاط إيجابية.
وتختم حديثها، قائلة “هؤلاء الأبناء نعمة في حياتنا، وعلينا كأهل أن نستشعر حقيقة قيمتها”.





