
رام الله مكس -
يبلغ متوسط ما تنفقه الحكومة الفلسطينية سنويًا على وقود وصيانة المركبات الحكومية المدنية والعسكرية نحو 83.3 مليون شيكل، وفق بيانات دراسة حديثة حللت واقع أسطول المركبات الحكومية في فلسطين.
هذا الرقم لا يمثل كلفة شراء المركبات، ولا يشمل التأمين أو الاستئجار، إنما يعكس متوسط الإنفاق السنوي على بندين أساسيين فقط: الوقود والصيانة، خلال الفترة 2014-2025.
دراسة حديثة تقدر كلفة استمرار تشغيل الأسطول المدني وحده كما هو بنحو 121 مليون شيكل خلال 2026-2030، وتوصي بإحلال تدريجي يخفض الفاتورة.
وتظهر الدراسة أن متوسط كلفة الوقود والصيانة للمركبات المدنية بلغ نحو 20.5 مليون شيكل سنويًا، مقابل نحو 62.7 مليون شيكل للمركبات العسكرية. وبذلك، تصل الفاتورة السنوية المشتركة إلى نحو 83.3 مليون شيكل.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من كونها تكشف الكلفة المتكررة للمركبات الحكومية بعد شرائها. فالمركبة لا تكلف المال العام عند الاقتناء فقط، بل تفتح فاتورة سنوية مستمرة من الوقود والصيانة، ترتفع كلما تقادم عمرها وضعفت أدوات الرقابة على استخدامها.
وتستند الأرقام إلى دراسة بعنوان "نظام إدارة أسطول المركبات الحكومية الفلسطيني: سيناريوهات مقارنة لتحسين الفعالية والكفاءة والحوكمة"، أعدها فريق من معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" والمعهد الفلسطيني للمالية العامة والضرائب، بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
6 آلاف مركبة حكومية
بحسب الدراسة، بلغ العدد الإجمالي للمركبات الحكومية في فلسطين 6,088 مركبة حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتشكل المركبات المدنية نحو 24.54% من إجمالي الأسطول، مقابل 75.46% للمركبات العسكرية.
وتشمل المركبات الحكومية سيارات الركاب والأفراد، ومركبات البضائع والآليات الثقيلة، والمركبات الزراعية والمقطورات، إضافة إلى مركبات الأمن التابعة للشرطة والأجهزة الأمنية، ومركبات الدفاع المدني المخصصة للطوارئ والكوارث.
ورغم أن المركبات العسكرية تستحوذ على الجزء الأكبر من الأسطول والإنفاق، تظهر الدراسة مفارقة لافتة عند احتساب الكلفة لكل مركبة. فقد بلغ متوسط كلفة الوقود والصيانة للمركبة المدنية نحو 14,175 شيكلًا سنويًا، مقابل 13,653 شيكلًا للمركبة العسكرية.
وتفسر الدراسة ذلك بعوامل إدارية وهيكلية، بينها بقاء مركبات مدنية في الخدمة حتى أعمار متقدمة، وغياب أنظمة تتبع إلكترونية ومراقبة استهلاك فعالة، وضعف أدوات ضبط التشغيل.
المركبة القديمة لا توفر المال دائمًا
تظهر الدراسة أن جزءًا مهمًا من الأسطول الحكومي يعمل ضمن أعمار تشغيلية متقدمة. ففي الأسطول العسكري، بلغت نسبة المركبات التي تجاوز عمرها 15 عامًا نحو 34.6%، مقابل 14.6% في الأسطول المدني. أما المركبات التي تجاوزت 10 سنوات فأكثر، فبلغت 45.3% في الأسطول العسكري و27.7% في الأسطول المدني.
وتقول الدراسة إن استمرار تشغيل المركبات بعد تجاوز عمرها الاقتصادي لا يعني بالضرورة تحقيق وفورات. فكل سنة إضافية قد ترفع كلفة الصيانة وتخفض قيمة المركبة عند بيعها، بما ينقل العبء من كلفة شراء واضحة إلى بنود تشغيلية متراكمة، خصوصًا الصيانة والوقود.
وتشير بيانات بيع المركبات الحكومية إلى أن الحكومة باعت 3,109 مركبات بين 2008 و2025، بقيمة إجمالية بلغت نحو 87.7 مليون شيكل، وبمتوسط سعر بلغ 28.2 ألف شيكل للمركبة الواحدة، وهو مستوى تراه الدراسة مؤشرًا على اهتلاك مرتفع عند إخراج المركبات من الخدمة.
فروقات واسعة بين المؤسسات
لا تتوزع كلفة التشغيل بالتساوي بين المؤسسات. ففي عام 2025، سجلت بعض الجهات كلفة تشغيل منخفضة للمركبة الواحدة، بينما تجاوزت الكلفة في جهات أخرى عشرات الآلاف من الشواكل، ووصلت في حالات معينة إلى أكثر من 100 ألف شيكل سنويًا للمركبة الواحدة.
ومن بين أعلى المعدلات، سجلت محافظة القدس كلفة تشغيل سنوية للمركبة الواحدة بلغت نحو 112.3 ألف شيكل، ومحافظة رام الله والبيرة نحو 110.3 آلاف شيكل، ووزارة الصحة نحو 65.1 ألف شيكل، ووزارة التربية والتعليم العالي نحو 59.2 ألف شيكل.
وتطرح الدراسة عدة احتمالات خلف هذه الفروقات، منها كثافة الاستخدام، وقدم المركبات، وضعف سياسات الإحلال، وتحميل مصاريف استثنائية على عدد محدود من المركبات، وغياب إطار موحد لإدارة الصيانة والرقابة.
الاستئجار يضيف كلفة أخرى
إلى جانب الوقود والصيانة، تلجأ بعض المؤسسات الحكومية إلى استئجار مركبات. وبلغ إجمالي كلفة استئجار المركبات في المؤسسات الحكومية المدنية خلال الفترة 2014-2025 نحو 99.9 مليون شيكل، بمتوسط سنوي يقارب 8.3 ملايين شيكل.
وجاءت وزارة الصحة في صدارة الجهات من حيث كلفة الاستئجار، بإجمالي بلغ نحو 69.8 مليون شيكل خلال الفترة، تلتها وزارة التربية والتعليم العالي بنحو 24.3 مليون شيكل.
وتقر الدراسة بأن جانبًا من الاستئجار له مبررات تشغيلية، خصوصًا في الصحة والتعليم، مثل نقل الأدوية والإسعافات وتحويلات المرضى، أو نقل الطلبة من مناطق نائية وتجمعات مهددة. لكنها تشير إلى أن تحول الاستئجار إلى التزام دائم يستنزف الموازنة دون أن يراكم أصولًا حكومية يحتاج إلى مراجعة.
ما المتوقع خلال 2026-2030؟
بعد رصد الكلفة السنوية التاريخية للوقود والصيانة، تنتقل الدراسة إلى تقدير كلفة السنوات المقبلة في حال استمرار الوضع كما هو.
وفي هذا الجزء، لا تتحدث الدراسة عن كامل الأسطول الحكومي البالغ 6,088 مركبة، إنما عن أسطول مدني محل التحليل يبلغ 1,494 مركبة، استخدمته الدراسة كأساس لمقارنة السيناريوهات خلال الفترة 2026-2030.
وفق سيناريو "الوضع القائم"، أي استمرار تشغيل هذا الأسطول دون إحلال أو تحديث جوهري، تصل التكلفة الإجمالية المتوقعة خلال خمس سنوات إلى نحو 120.9 مليون شيكل، بمتوسط كلفة سنوية لكل مركبة يبلغ نحو 16,187 شيكلًا.
هذا الرقم ليس إنفاقًا سابقًا، إنما تقدير مستقبلي للفترة 2026-2030 إذا بقيت الإدارة كما هي.
وتقارن الدراسة هذا السيناريو بعدة بدائل. فشراء مركبات تقليدية جديدة بدل جزء من المركبات القديمة يخفض الكلفة إلى نحو 109.7 ملايين شيكل، أي وفر يقارب 11.2 مليون شيكل أو نحو 9.26% مقارنة بالوضع القائم.
أما الخيار الذي تراه الدراسة الأكثر كفاءة وتوازنًا فهو الإحلال المرحلي، أي استبدال تدريجي يجمع بين المركبات الهجينة في المرحلة الأولى والمركبات الكهربائية لاحقًا.
في هذا السيناريو، تنخفض التكلفة الإجمالية للملكية إلى نحو 95.66 مليون شيكل خلال 2026-2030، أي أقل بنحو 25.26 مليون شيكل من سيناريو بقاء الوضع القائم، وبنسبة تقارب 21%.
ماذا توصي الدراسة؟
لا تطرح الدراسة شراء مركبات جديدة كحل منفصل عن إصلاح الإدارة. فالمشكلة، وفق نتائجها، ليست في نوع المركبة فقط، بقدر ما هو في غياب نظام موحد يربط كل مركبة بكلفتها الفعلية طوال عمرها.
وتشير الدراسة إلى غياب قاعدة بيانات موحدة تربط تسجيل المركبات بالمصاريف التشغيلية مثل الوقود والصيانة، ما يضعف التخطيط المبني على الأدلة، ويمنع تطبيق منهجية التكلفة الإجمالية للملكية بصورة فعالة. كما ترصد تفاوتًا في ممارسات المؤسسات، وضعفًا في الرقمنة والأتمتة، واستمرار استخدام مركبات حكومية خارج الأطر الرسمية.
وتوصي الدراسة بتوحيد التعليمات الناظمة لإدارة المركبات الحكومية، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية تربط كل مركبة بمصاريفها التشغيلية على امتداد دورة حياتها، واعتماد معايير واضحة للإحلال والبيع، وإنشاء إطار مؤسسي مركزي لإدارة الأسطول رقميًا، مع استخدام تقنيات التتبع والاتصالات وربطها بأدوات الرقابة والمساءلة.
في المحصلة، تكشف الدراسة أن فاتورة المركبات الحكومية لا تبدأ وتنتهي عند الشراء. فهناك كلفة تشغيلية سنوية تقارب 83 مليون شيكل للوقود والصيانة في الأسطول المدني والعسكري، إلى جانب كلفة استئجار، وفروقات واسعة بين المؤسسات، ومركبات قديمة ترفع الإنفاق بدل أن تخفضه.
وخلال السنوات الخمس المقبلة، تشير التقديرات إلى أن استمرار تشغيل الأسطول المدني محل التحليل كما هو قد يكلف نحو 121 مليون شيكل، بينما يمكن لسيناريو الإحلال المرحلي نحو الهجين والكهربائي أن يخفض الكلفة إلى نحو 95.7 مليون شيكل.
القضية، إذًا، ليست عدد المركبات الحكومية فقط، إنما طريقة إدارتها: كم تستهلك؟ كم تصرف على الصيانة؟ متى تُستبدل؟ وهل تدار كأصول عامة أم كنفقات متفرقة تظهر كل عام في بنود الوقود والصيانة؟ .
المصدر: الاقتصادي





