
رام الله مكس- رغم ارتفاع الأسعار وتزايد أعباء المعيشة، لا تزال القهوة تحتفظ بمكان ثابت في ميزانية الأسرة الفلسطينية، باعتبارها مشروباً يومياً وطقساً اجتماعياً مرتبطاً بالضيافة والعادات المتوارثة.
وبحسب بيانات حصل عليها موقع "الاقتصادي" من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ متوسط إنفاق الأسرة في الضفة الغربية على القهوة نحو 34 شيكلاً شهرياً، أي ما يقارب 7 شواكل للفرد، استناداً إلى بيانات مسح نُفذ عام 2023 وشمل أكثر من 3200 أسرة، بمتوسط حجم بلغ 4.7 أفراد للأسرة.
وباحتساب متوسط حجم الأسرة، فإن إنفاقها على القهوة يصل إلى نحو 408 شواكل سنوياً، وفق بيانات المسح.
وتشمل هذه النفقات بشكل رئيسي القهوة المحمصة والمطحونة، التي تستحوذ على الحصة الأكبر من إنفاق الأسر، إلى جانب القهوة سريعة التحضير، فيما تتوزع مبالغ أخرى على مشروبات مرتبطة بالعادات اليومية، مثل الكاكاو واليانسون والنعناع.
وتُعد بيانات عام 2023 الواردة في هذا التقرير أحدث الإحصاءات الرسمية المنشورة من الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حول إنفاق الأسر على القهوة حتى الآن. إلا أن أسعار القهوة شهدت قفزات كبيرة خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2026، ما يعني أن كلفة استهلاكها اليوم قد تكون أعلى من المستويات التي تعكسها بيانات المسح. ويُباع سعر أوقية القهوة في السوق الفلسطينية حالياً بنحو 18 شيكلاً لدى بعض المحال، مقارنة بأسعار كانت أقل من ذلك في السنوات السابقة.
ويعمل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حالياً على إعداد إحصاءات ومسوح جديدة من شأنها توفير بيانات أحدث عن إنفاق الأسر، إلا أن نتائجها تحتاج إلى عدة أشهر قبل اكتمالها ونشرها. لذلك، فإن الأرقام الواردة في هذا التقرير تمثل آخر بيانات رسمية متاحة، وقد تختلف عن نتائج الإحصاءات الجديدة عند صدورها، في ظل ارتفاع الأسعار وتغير أنماط الاستهلاك.
القهوة.. بند ثابت رغم الغلاء
ورغم أن بيانات الإنفاق تعود إلى عام 2023، فإن أسعار القهوة شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال السنوات اللاحقة، ما يعني أن الكلفة الفعلية التي تتحملها الأسر اليوم قد تكون أعلى من متوسط الإنفاق المسجل في المسح.
وفي السوق الفلسطينية، ارتفع سعر أوقية القهوة خلال بداية عام 2025 من نحو 12 شيكلاً إلى 15 شيكلاً، ثم إلى 18 شيكلاً لدى بعض المحال، وسط موجة ارتفاعات عالمية في أسعار البن.
ويربط أصحاب محال القهوة هذه الزيادات بارتفاع الأسعار العالمية، في ظل تأثر الإنتاج في دول رئيسية منتجة للبن، بينها البرازيل وفيتنام، بعوامل مناخية تمثلت بالجفاف والأمطار الغزيرة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتجارة.
أكثر من مجرد مشروب
لا تعكس أرقام الإنفاق على القهوة مجرد قيمة سلعة تُشترى من الأسواق، إذ تحظى القهوة بمكانة خاصة في المجتمع الفلسطيني، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية، من فنجان الصباح إلى جلسات الضيافة واستقبال الزوار.
ولهذا، تبدو القهوة من السلع التي يصعب على الأسر التخلي عنها بالكامل حتى مع ارتفاع أسعارها، وإن كان بإمكان المستهلكين تقليل الكميات أو التحول إلى أنواع ودرجات سعرية أقل كلفة.
وتصنف بيانات الإحصاء إنفاق الأسر على القهوة ضمن النفقات الاعتيادية، في مؤشر على حضورها المستمر ضمن الاستهلاك المنزلي.
فلسطين وسوق البن العالمي
وتكشف بيانات رسمية أن إجمالي واردات البن إلى فلسطين بلغ نحو 31.7 مليون دولار عام 2019، ما يعكس حجم السوق المرتبط بهذه السلعة وأهميتها في نمط الاستهلاك المحلي.
ولا تقتصر أهمية القهوة على الأسواق والمستهلكين، إذ يعتمد ملايين الأشخاص حول العالم على زراعة البن وتجهيزه وتجارته كمصدر للدخل. وتنتج ملايين الأسر الزراعية، معظمها في البلدان النامية، الجزء الأكبر من البن العالمي، فيما تتصدر البرازيل وفيتنام وكولومبيا قائمة الدول المنتجة.
وتعد القهوة من أكثر المشروبات استهلاكاً في العالم، فيما يمثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من أكبر أسواق الاستيراد والاستهلاك.
لماذا ترتفع أسعار القهوة؟
يُعد البن من المحاصيل شديدة التأثر بالظروف المناخية، إذ تؤثر درجات الحرارة، والجفاف، والأمطار الغزيرة، والآفات والأمراض في حجم المحصول وجودته، وبالتالي في الأسعار العالمية.
وتنعكس هذه التطورات على الأسواق المحلية، ومنها السوق الفلسطينية، عبر سلسلة طويلة تبدأ من المزارع في الدول المنتجة، مروراً بالتجهيز والتصدير والشحن والتحميص، وصولاً إلى المحل والمستهلك.
ومع ارتفاع الأسعار العالمية، لا ترتفع كلفة البن الخام فقط، بل تتأثر أيضاً تكاليف النقل والتجهيز والتوزيع، ما ينعكس في النهاية على سعر الفنجان أو عبوة القهوة التي تشتريها الأسرة.
فنجان القهوة.. سلسلة اقتصادية طويلة
تبدأ رحلة القهوة من البذور والتربة والمياه والمزارعين، ثم تنتقل إلى مراحل الزراعة والحصاد والتجفيف والتجهيز والتجارة والتحميص والبيع بالتجزئة، قبل أن تصل إلى المستهلك.
وفي كل مرحلة تتشكل قيمة اقتصادية جديدة، ويتحمل المنتجون والتجار والمستهلكون جانباً من المخاطر المرتبطة بتقلب الأسعار والإنتاج والطقس والأسواق.
وتشير تقارير دولية إلى أن صغار مزارعي البن يتحملون جانباً كبيراً من مخاطر الإنتاج وتقلبات الأسعار، في وقت تحصل فيه حلقات أخرى من سلسلة القيمة على جزء من العوائد الناتجة عن التحميص والتجارة والعلامات التجارية.
القهوة في فلسطين.. عادة تقاوم الغلاء
في المحصلة، تكشف أرقام الإحصاء أن القهوة ليست هامشية في ميزانية الأسرة الفلسطينية، إذ تنفق الأسرة في الضفة الغربية عشرات الشواكل شهرياً على هذا المشروب.
ومع ارتفاع أسعار البن خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت كلفة هذه العادة على الأسر، إلا أن القهوة لا تزال حاضرة على موائد الفلسطينيين وفي مجالسهم، باعتبارها جزءاً من نمط الحياة والضيافة، وليس مجرد سلعة استهلاكية.
وبين سعر حبة البن في بلد المنشأ وسعر الأوقية على رف المتجر، يمر فنجان القهوة برحلة اقتصادية طويلة، يدفع المستهلك الفلسطيني في نهايتها جزءاً من كلفتها، فيما تتأثر هذه الكلفة بما يحدث في الأسواق العالمية والمزارع الواقعة على بعد آلاف الكيلومترات





