
رام الله مكس- كشف مدير مركز الاتصال الحكومي، الدكتور محمد أبو الرب، عن تفاصيل جديدة بشأن الأزمة المالية الخانقة التي تواجه الحكومة الفلسطينية، مؤكداً أن الموارد المالية المتاحة لا تغطي سوى أقل من 20% من احتياجاتها الشهرية، في ظل استمرار احتجاز إسرائيل نحو 68% من الإيرادات الفلسطينية، وتراجع الدعم الخارجي، الأمر الذي يضع الحكومة أمام تحديات غير مسبوقة في الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاعات الحيوية.
وأوضح أبو الرب أن الحكومة تعمل في ظروف استثنائية بالغة التعقيد، تحاول خلالها الموازنة بين صرف رواتب الموظفين، وضمان استمرار الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الموارد المتاحة والالتزامات المالية المتراكمة.
وجاءت تصريحات أبو الرب خلال مقابلة في برنامج «طلة صباح»، الذي يقدمه الإعلامي عادل غريب، ويُبث عبر راديو الرابعة وفضائية معاً وشبكة معاً الإذاعية، تناولت واقع الأزمة المالية، وإمكانية إعادة دعم المحروقات، والعدالة في توزيع الرواتب، وإجراءات ترشيد الإنفاق الحكومي، إلى جانب ملفات التعليم والصحة والتعيينات الحكومية والأوقاف.
أزمة مالية غير مسبوقة وغياب للدعم العربي
وأكد أبو الرب أن الأزمة المالية الحالية لا يمكن فصلها عن الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن الحكومة تواجه تراجعاً حاداً في مواردها، بالتزامن مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة.
وقال إن الحكومة تدخل الأشهر الأخيرة من العام دون وجود حزم دعم دولية مرتقبة، فيما تقترب من إكمال عام كامل دون تلقي دعم مباشر للموازنة من أي دولة عربية أو إسلامية، موضحاً أن الحديث يدور عن الدعم المخصص للخزينة العامة، وليس التمويل الموجه للمشاريع عبر الصناديق والمؤسسات العربية والإسلامية.
وبيّن أن الإيرادات المحلية للحكومة تتراوح شهرياً بين 200 و220 مليون شيكل، وقد تصل في أفضل الأحوال إلى 260 مليون شيكل، وهي مبالغ لا تكفي لتغطية جزء محدود من الالتزامات الأساسية.
وأضاف أن الحكومة مطالبة بإدارة هذه الموارد المحدودة لتلبية احتياجات قطاعات متعددة، في مقدمتها رواتب الموظفين والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مؤكداً أن حجم الأزمة يتجاوز قدرة إجراءات التقشف التقليدية على معالجتها.
هل تعيد الحكومة دعم السولار والمحروقات؟
وفي معرض رده على تساؤلات بشأن إمكانية إعادة الدعم الحكومي للسولار والمحروقات والغاز، في ظل ارتفاع الأسعار والاحتجاجات والإضرابات التي تشهدها بعض القطاعات، أوضح أبو الرب أن المعضلة الأساسية تكمن في محدودية الموارد المالية مقابل اتساع الاحتياجات في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن الحكومة تدرك حجم الأعباء المعيشية التي يتحملها المواطنون، لكنها تواجه صعوبة بالغة في توفير التمويل اللازم لالتزاماتها القائمة، ما يجعل اتخاذ قرارات مالية جديدة تتطلب مخصصات إضافية أمراً بالغ التعقيد.
ولم يعلن أبو الرب عن قرار حكومي بإعادة دعم السولار أو تخفيض الضرائب المفروضة على المحروقات، مكتفياً بالتأكيد أن الحكومة تحاول توزيع مواردها المتاحة وفق الأولويات الأكثر إلحاحاً، مع إدراكها أن الإجراءات الحالية لا تلبي حجم الاحتياجات الفعلية للمواطنين.
550 مليون شيكل شهرياً لصرف نصف الرواتب
وفي ملف رواتب الموظفين العموميين، كشف أبو الرب أن الحكومة تحتاج إلى نحو 550 مليون شيكل شهرياً لصرف 50% من الرواتب، بحد أدنى يبلغ 2000 شيكل، في حين أن الإيرادات المحلية المتاحة أقل بكثير من هذا المبلغ.
وأوضح أن الرواتب وأشباه الرواتب تستحوذ على ما يقارب 80% من الموازنة العامة، وأن المبالغ المصروفة للموظفين تنعكس بصورة مباشرة على الظروف المعيشية لأكثر من مليون و200 ألف فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأشار إلى أن الحكومة تحاول، من خلال آليات الصرف والتسهيلات المرتبطة بتطبيق «يابوس»، التخفيف من آثار الأزمة على أصحاب الرواتب المتدنية، موضحاً أن الموظفين الذين تتراوح رواتبهم بين 2000 و2400 شيكل يحصلون فعلياً على ما يعادل رواتبهم كاملة وفق الآلية المعمول بها، فيما يحصل من تقل رواتبهم عن 3500 شيكل على ما لا يقل عن 80% من رواتبهم.
وأكد أن أكثر من 65% من الموظفين يستفيدون من هذه الترتيبات بما يخفف من حجم الاقتطاعات الواقعة عليهم.
وشدد أبو الرب على أن الحكومة لا تعتبر صرف الرواتب المنقوصة حلاً طبيعياً أو مقبولاً على المدى الطويل، لكنها تواجه واقعاً مالياً لا يسمح حالياً بالعودة إلى انتظام الصرف الكامل.
جدل حول العدالة في الرواتب والفجوة بين كبار الموظفين وبقية العاملين
وشهدت المقابلة نقاشاً موسعاً حول عدالة توزيع مخصصات الرواتب بين الموظفين الحكوميين، بعدما أثار الإعلامي عادل غريب مسألة التفاوت الكبير بين رواتب الفئات العليا وبقية العاملين، متسائلاً عن إمكانية إعادة النظر في آليات الصرف بما يضمن حماية أصحاب الدخل المحدود، ولا سيما المعلمين والعاملين في القطاع الصحي.
وطرح غريب تساؤلاً بشأن تقديرات تفيد بأن نحو 25% من الموظفين يستحوذون على 75% من مخصصات الرواتب، داعياً إلى التفكير بحلول استثنائية تعيد توزيع الأعباء المالية بصورة أكثر عدالة، بدلاً من تطبيق نسب اقتطاع موحدة على جميع الفئات رغم الاختلاف الكبير في مستويات الدخل.
كما تساءل عن إمكانية منح أصحاب الرواتب المنخفضة رواتبهم كاملة، مقابل اعتماد نسب صرف مختلفة للفئات الأعلى دخلاً، بما يساعد على استقرار قطاعي التعليم والصحة واستعادة انتظام الخدمات الأساسية.
وفي رده، أوضح أبو الرب أن فاتورة الرواتب الكاملة لجميع القطاعات تبلغ نحو مليار و50 مليون شيكل، وأن الحكومة كانت تحتاج، في فترات سابقة، إلى نحو 950 مليون شيكل لصرف 70% من الرواتب بحد أدنى 3500 شيكل.
وأشار إلى أن الفئات الأعلى دخلاً تضم أيضاً كفاءات مهنية متخصصة، خصوصاً في القطاع الصحي، موضحاً أن رواتب بعض الأطباء غير المختصين قد تصل إلى ما بين 8 و9 آلاف شيكل مع المناوبات الإضافية، فيما تبدأ رواتب بعض الأطباء المختصين من نحو 10 إلى 11 ألف شيكل.
وحذر من أن استمرار الأزمة المالية قد يدفع مزيداً من الكفاءات إلى مغادرة المؤسسات الحكومية والانتقال للعمل في القطاع الخاص أو المؤسسات الدولية، بحثاً عن فرص وظروف مالية أفضل.
وأكد أن الحفاظ على الكفاءات والخبرات في المؤسسات الوطنية يمثل تحدياً إضافياً للحكومة، لا سيما في القطاعات التي تعاني أصلاً من ضغوط متزايدة ونقص في الموارد البشرية.
وفي سياق الحديث عن رواتب المسؤولين، أشار أبو الرب إلى أن راتب الوزير يبلغ نحو ثلاثة آلاف دولار، وفق تقديره، مؤكداً أن الوزراء يخضعون لنسب صرف الرواتب المعمول بها، ولا يحصلون على معاملة استثنائية في هذا الجانب.
هل فشلت إجراءات ترشيد الإنفاق في تقليص الأزمة؟
ورداً على الانتقادات المتعلقة بعدم اتخاذ إجراءات كافية لضبط الإنفاق العام، أكد أبو الرب أن الحكومة تنفذ مجموعة واسعة من الإجراءات الإصلاحية والتقشفية، تشمل تقنين السفر والنفقات غير الضرورية، وإعادة ترتيب أولويات الصرف، والحد من التوظيف في القطاع العام.
وأوضح أن الحكومة تعتمد موازنة طوارئ تركز على القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ورواتب الموظفين.
لكنه أقر بأن إجراءات الترشيد، رغم أهميتها الإدارية والمالية، لا تستطيع وحدها معالجة الفجوة الهائلة بين الإيرادات والنفقات، في ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة.
وكشف أن الحكومة وضعت قائمة موسعة تضم نحو 50 خطوة إصلاحية، مؤكداً أن أثر هذه الإجراءات يظل محدوداً مقارنة بحجم الالتزامات المالية الإجمالية.
وأشار إلى أن الإيرادات المحلية السنوية، التي تبلغ في المتوسط نحو ملياري شيكل أو أكثر بقليل، قد لا تكفي لتغطية احتياجات القطاع الصحي وحده، إذا احتُسبت جميع النفقات المتعلقة بالخدمات والأدوية والمستهلكات والتحويلات الطبية.
واعتبر أن الحديث عن الإصلاح وترشيد الإنفاق يظل ضرورياً، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلاً عن استعادة الإيرادات المحتجزة وتوفير مصادر تمويل مستقرة.
وقف التعيينات الحكومية يوفر 120 مليون شيكل سنوياً
وفي واحدة من أبرز الخطوات التي كشف عنها خلال المقابلة، أعلن أبو الرب أن الحكومة أوقفت التعيينات الجديدة في القطاع العام بصورة شبه كاملة، باستثناء احتياجات محددة في قطاعات الصحة والتعليم والأوقاف.
وأوضح أن هذه الخطوة وفرت على الخزينة العامة نحو 120 مليون شيكل سنوياً، في إطار سياسة تهدف إلى ضبط فاتورة الرواتب والحد من التوسع في أعداد الموظفين.
وأشار إلى أن الحكومة لا تعوض تلقائياً جميع الشواغر الناتجة عن تقاعد الموظفين، وإنما تقتصر التعيينات الجديدة على المجالات التي تقتضيها الضرورة لضمان استمرار الخدمات الأساسية.
وأكد أن القرار جاء انطلاقاً من قناعة بضرورة معالجة التضخم الوظيفي في بعض المؤسسات الحكومية، مع مراعاة احتياجات القطاعات الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عن كوادرها.
69 مليون شيكل للأدوية خلال شهرين رغم استمرار النقص
وفي القطاع الصحي، كشف أبو الرب أن الحكومة وفرت أدوية ومستهلكات طبية للمستشفيات الحكومية والمرافق الصحية بقيمة بلغت نحو 69 مليون شيكل خلال الشهرين الماضيين فقط.
وأوضح أن هذه المخصصات لم تكن كافية لإنهاء النقص القائم في بعض الأدوية والمستلزمات، نتيجة الارتفاع الكبير في الطلب على الخدمات الصحية، وتزايد أعداد المواطنين الذين يعتمدون على التأمين الصحي المجاني.
وأشار إلى أن عشرات الآلاف من المواطنين انضموا إلى مظلة التأمين الصحي المجاني، خصوصاً بعد فقدان أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين فرص عملهم داخل إسرائيل، ما ضاعف الضغوط على المرافق الصحية الحكومية.
وأكد أن الحكومة تسعى إلى المحافظة على استمرار توريد الأدوية والمستهلكات الطبية رغم الأزمة المالية، معتبراً أن القطاع الصحي يمثل إحدى الأولويات التي لا يمكن التراجع عنها.
الحكومة تبحث زيادة أيام الدوام المدرسي
وفي ملف التعليم، كشف أبو الرب أن الحكومة تبحث بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم عن بدائل إضافية لتعزيز انتظام الدوام المدرسي، في ظل استمرار العمل بنظام ثلاثة أيام أسبوعياً في بعض المدارس.
وأكد أن هذا النظام غير كافٍ لتلبية الاحتياجات التعليمية، مشيراً إلى أن الحكومة تدرك حجم الخسائر التعليمية المترتبة على تقليص أيام الدوام.
وأوضح أن أي معالجة لهذا الملف يجب أن تراعي الظروف المالية الصعبة للمعلمين، وتكاليف الوصول إلى أماكن العمل، والعوائق التي تفرضها الحواجز الإسرائيلية والتنقل بين المدن والقرى.
وأشار إلى أن الحكومة اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات لنقل عدد من المعلمين إلى مدارس أقرب إلى أماكن سكنهم، بهدف تقليل أعباء المواصلات وتجاوز الصعوبات المرتبطة بالحواجز والإغلاقات.
ولفت إلى أن الحكومة قدمت تسهيلات للموظفين العموميين في مجالات تسجيل أبنائهم في الجامعات، وتسديد فواتير المياه والكهرباء، وترخيص المركبات، إلى جانب إجراءات أخرى تهدف إلى التخفيف من الأعباء المالية.
وبيّن أن هذه التسهيلات ترتبط بأعباء مالية شهرية تقدر بنحو 100 مليون شيكل، مؤكداً أن الحكومة تحاول توسيع نطاق المساندة وفق إمكاناتها المحدودة.
أزمة الأئمة والخطباء تفتح ملف وزارة الأوقاف
وانتقلت المقابلة إلى ملف النقص في الأئمة والخطباء العاملين على كادر وزارة الأوقاف، بعدما أثار الإعلامي عادل غريب وجود تجمعات سكانية كبيرة في محافظة الخليل تعاني من نقص واضح في الكوادر الدينية المعتمدة.
وأشار غريب إلى وجود مساجد في بلدات وقرى، من بينها ترقوميا وبني نعيم ويطا، تعتمد على خطباء متطوعين أو مكلفين بنظام المكافآت، في ظل عدم تعويض الشواغر الناتجة عن تقاعد موظفين سابقين.
وأوضح أن بعض المساجد تواجه صعوبات في تأمين خطباء بصورة منتظمة، وأن عدداً من المكلفين لم يتلقوا مكافآتهم منذ فترات طويلة، ما أدى إلى تفاقم المشكلة.
وفي رده، أكد أبو الرب أن وزارة الأوقاف تواجه تحديات مرتبطة بنقص الكوادر، لكنه أبدى تحفظه على بعض التقديرات المتعلقة بوجود تجمعات سكانية كبيرة لا تضم أي خطيب أو إمام معين رسمياً.
وطلب تزويده بأسماء المناطق والمساجد التي تعاني من هذه المشكلة، متعهداً بمتابعة الملف مع وزارة الأوقاف والجهات المختصة، والتحقق من حجم النقص والإجراءات الممكنة لمعالجته.
كما أشار إلى وجود خطوات إصلاحية داخل وزارة الأوقاف، شملت تحسين حوكمة بعض الموارد وتعزيز دور صندوق الزكاة، إلى جانب توجيه جزء من إيرادات الوقف الإسلامي لمساعدة عائلات نازحة ومتضررة في شمال الضفة الغربية، بالتنسيق مع وزارة التنمية الاجتماعية.
وأكد أن هذه الإجراءات تأتي ضمن جهود إعادة توجيه الموارد المتاحة نحو الاحتياجات الاجتماعية الأكثر إلحاحاً.
الحكومة تتعهد بملاحقة الغش التجاري واستغلال المواطنين
وفي ختام المقابلة، تطرق الإعلامي عادل غريب إلى قضية الزيت المغشوش، في ظل المخاوف المرتبطة باستغلال المواطنين خلال موسم الزيتون، متسائلاً عن دور الحكومة والأجهزة الرقابية في مكافحة هذه الممارسات.
وأكد أبو الرب أن جهود الحكومة لا تقتصر على مكافحة الغش في زيت الزيتون، وإنما تشمل مختلف أشكال التعديات الاقتصادية، والتهريب والتهرب، ومحاولات استغلال الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها المواطنون.
وأشار إلى أن الجهات الحكومية المختصة، بما فيها أجهزة الرقابة والضابطة الجمركية، تواصل العمل على ملاحقة المخالفات وتعزيز إجراءات الرقابة، معرباً عن أمله في توسيع نطاق هذه الجهود خلال الفترة المقبلة.





