الأربعاء:
2026-10-21

زيت الزيتون "السوري" في أسواق الضفة.. أسئلة عن التهريب والغش

نشر بتاريخ: 21 أكتوبر، 2026
زيت الزيتون "السوري" في أسواق الضفة.. أسئلة عن التهريب والغش

زيت يباع علنًا بأسعار منخفضة، من دون مسار استيراد مباشر من سوريا، وسط تحذيرات من صعوبة تتبع المنشأ واحتمالات الخلط والغش

رام الله مكس- ينتشر في أسواق الضفة الغربية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي زيت زيتون يُسوَّق على أنه سوري، بأسعار تتراوح في عدد من الإعلانات بين 35 و40 شيكلًا للكيلوغرام، في وقت بدأ فيه موسم الزيتون الفلسطيني بأسعار أعلى في معظم المحافظات.

ورصد "الاقتصادي" إعلانات وتجارًا يعرضون الزيت على أنه "سوري أصلي"، في عبوات تحمل بيانات وعبارات تتحدث عن الجودة والفحص، فيما تثير طريقة وصول هذه الكميات إلى السوق سؤالًا أساسيًا: إذا كان الزيت سوري المنشأ فعلًا، فما المسار التجاري الذي دخل من خلاله إلى الضفة الغربية؟

مصدر رسمي مطلع على قطاع الزيت والزيتون، فضّل عدم ذكر اسمه، قال لـ"الاقتصادي" إنه لا يوجد مسار استيراد تجاري مباشر من سوريا إلى السوق الفلسطينية يمكن أن يفسر وجود هذه الكميات، ما يضع مصدر الزيت وطريقة دخوله في صلب المسألة.

وقال المصدر: "هناك تجار يظهرون علنًا، وهناك من يقدمون أنفسهم على أنهم مستوردون، وهم معروفون. السؤال ببساطة: كيف استوردوا زيتًا سوريًا إذا لم يكن هناك مسار تجاري مباشر مع سوريا؟".

ويرى المصدر أن إثبات أن الزيت سوري المنشأ يعني، في غياب مسار استيراد رسمي يمكن تتبعه، أن السؤال ينتقل مباشرةً إلى التهريب والطريق الذي سلكته السلعة قبل وصولها إلى المستهلك الفلسطيني.

ولا يعني كون الزيت مهربًا أنه مغشوش بالضرورة، لكن دخوله خارج سلسلة الاستيراد والفحص والتتبع الرسمية يرفع مخاطر التلاعب به، ويجعل معرفة منشئه الحقيقي ومكان تعبئته ومراحل نقله والفحوص التي خضع لها أكثر صعوبةً.

ماذا عن الرقابة؟
يأتي انتشار هذه العروض بالتزامن مع تحرك حكومي ضد زيت الزيتون المغشوش. ففي جلسته الأخيرة، وجه مجلس الوزراء الجهات المختصة إلى تشديد الرقابة على حالات الغش والتلاعب في الأسواق.

وقال مدير مركز الاتصال الحكومي إن رئيس الوزراء يتابع شخصيًا ملف زيت الزيتون المغشوش، وإن طواقم الضابطة الجمركية وحماية المستهلك ضبطت كميات في أكثر من محافظة، ويجري تحويل المتورطين إلى النيابة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكد أن التوجيهات تقضي بتكثيف الجولات الميدانية والجهد الرقابي من مختلف جهات الاختصاص، داعيًا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي شبهات تتعلق بالغش أو التلاعب لما لذلك من صلة بالصحة العامة.

لكن المصدر الرسمي الذي تحدث إلى "الاقتصادي" يرى أن الرقابة ينبغي ألا تبدأ من فحص الزيت الموجود في الأسواق فقط، وإنما من الإجابة عن سؤال مصدره ومسار دخوله.

وقال إن وجود بائع أو مستورد يعلن عن الزيت السوري على الملأ يفترض أن يتيح للجهات المختصة تتبع سلسلة التوريد كاملةً: الجهة التي استوردت، والبلد الذي صدر منه الزيت، والبيانات الجمركية، ومكان التعبئة، والكميات التي دخلت، والجهات التي اشترتها.

استيراد محدود.. فأين ذهبت الكميات؟

كانت وزارة الاقتصاد الوطني قد فتحت، أواخر عام 2025، باب استيراد زيت الزيتون من الخارج عقب موسم فلسطيني شحيح، وحددت الكمية الإجمالية المسموح باستيرادها بنحو 5 آلاف طن، على أن يكون الزيت من نوع البكر الممتاز، وأن تدخل الحصص الممنوحة للتجار قبل 31 آذار/مارس 2026، مع تزويد الوزارة بالبيانات الجمركية للكميات التي وصلت. كما اشترطت أن يكون الاستيراد بعبوات لا تزيد سعتها على 8 لترات.

ويقول المصدر إن فتح الاستيراد جاء لمعالجة النقص الذي خلفه ضعف الموسم السابق، لكنه يطرح سؤالًا بشأن استمرار ظهور كميات كبيرة في السوق بعد أشهر من انتهاء فترة الاستيراد.

وأضاف متسائلًا: "إذا كانت الكميات التي سُمح باستيرادها مخصصةً لتغطية النقص، فهل الكميات التي تباع اليوم هي من تلك الحصص؟ وإذا كانت كذلك، فما حجم ما دخل فعلًا وما حجم ما بقي منها؟ وإذا لم تكن منها، فمن أين جاءت؟"

وتكتسب هذه الأسئلة أهميةً إضافية في ظل حديث فياض فياض، مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني، قبل أيام، عن أن السوق لا يزال يحتوي على كميات متبقية من الزيت المستورد من الموسم السابق، إلى جانب زيت سوري "على مختلف أنواعه»، محذرًا من فوضى الإعلانات والبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. شبكة راية الإعلامية

عبوة محلية لزيت "سوري"

ولا تقف علامات الاستفهام عند مسار دخول الزيت. يقول المصدر الرسمي لـ"الاقتصادي" إن بعض التنكات التي يُعبأ فيها الزيت المعروض على أنه سوري مصنعة محليًا، وكذلك الكرتون الخارجي المستخدم لتغليفها.

ويضيف أن بعض العبوات تحمل عبارات من قبيل أن الزيت "مفحوص دوليًا"، معتبرًا أن مثل هذه العبارات «لا قيمة لها» ما لم تكن مرتبطةً بمختبر معروف وشهادة فحص يمكن التحقق منها، تتضمن رقم العينة أو التشغيلة والجهة التي أجرت الفحص وتاريخه.

وتصنيع العبوة أو الكرتونة محليًا لا يثبت بحد ذاته أن الزيت مغشوش، ولا ينفي أن الزيت الموجود بداخلها قد يكون سوري المنشأ، لكنه يعني أن المنتج مر بمرحلة تعبئة أو إعادة تعبئة محلية، وهو ما يضيف حلقةً إلى سلسلة التوريد تحتاج إلى تتبع.

ويقول المصدر إن هذه الحلقة تفتح أسئلةً بشأن المكان الذي وصلت إليه الكميات قبل التعبئة، والجهة التي عبأتها، وما إذا كان الزيت الموجود في العبوة هو المنتج نفسه الذي دخل إلى السوق أم جرى خلطه أو التعامل معه قبل التعبئة.

وبحسب المصدر، فإن الغش في زيت الزيتون لم يعد مقتصرًا على خلطه بزيوت نباتية رخيصة، إذ توجد طرق أكثر تقدمًا يمكن من خلالها معالجة الزيت أو خلطه بمواد وزيوت أخرى بطريقة تجعل اكتشاف التلاعب أكثر صعوبةً بالفحوص التقليدية.

تحقيق سابق تتبع الزيت السوري

هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها الزيت السوري في أسواق الضفة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، كشف تحقيق استقصائي بعنوان "الضفة الغربية تغرق بزيت الزيتون المغشوش" عن وجود زيت سوري يصل إلى السوق الفلسطينية عبر إسرائيل، إلى جانب توثيق أنماط مختلفة من الغش في الزيت المتداول محليًا.

وقال مدير اتحاد الصناعات الغذائية بسام أبو غليون في التحقيق إن كميات من الزيت السوري دخلت إلى إسرائيل ثم إلى الضفة، معتبرًا أن الزيت يصبح مهربًا إذا لم يدخل عبر القنوات الرسمية.

أما فياض فياض فقال آنذاك إن معلومات حصل عليها من جهات سورية عاملة في القطاع أشارت إلى جمع كميات من الزيت السوري ونقلها إلى منطقة السويداء، ومنها إلى الجليل، ثم إلى جنين عبر منطقة برطعة، قبل تسويقها في أسواق الضفة.

وهذا المسار الذي وثقه التحقيق العام الماضي لا يثبت أن كل الزيت الذي يعرض اليوم على أنه سوري دخل بالطريقة نفسها، لكنه يقدم سابقةً لمسار غير رسمي استخدم لإيصال الزيت السوري إلى السوق الفلسطينية.

غش يتجاوز الخلط البسيط

وكشف التحقيق ذاته أن الغش في السوق الفلسطينية يتخذ أكثر من شكل. ففي إحدى الحالات، اشترى معد التحقيق زيتًا من تاجر يروج له عبر فيسبوك، وأظهر فحص وزارة الزراعة أن العينة مخلوطة بزيت نباتي.

وفي حالة أخرى، اجتاز زيت يباع في منطقة نابلس الفحوص الروتينية في مختبرات وزارة الزراعة وحصل على نتيجة "مطابق للمواصفة"، قبل أن تكشف فحوص أكثر تقدمًا في جامعة بيرزيت مؤشرات على تدهور شديد أو معالجة للزيت جعلته غير مطابق للاستهلاك المباشر.

وأظهر التحقيق أن بعض أساليب الغش قد تشمل خلط الزيت بزيوت نباتية أرخص، أو استخدام زيوت قديمة أو مكررة أو مشتقات أخرى، بما يجعل السعر وحده أو اللون والطعم والرائحة أدوات غير كافية للحكم على جودة الزيت.

21 ألف طن متوقعة هذا الموسم

ويأتي انتشار الزيت منخفض السعر في وقت تتوقع فيه وزارة الزراعة موسمًا أفضل بكثير من العام الماضي.

وتشير التقديرات الأولية للوزارة إلى إمكانية إنتاج نحو 21 ألف طن من زيت الزيتون خلال موسم 2026، وهي كمية تكفي، وفق تقديرات الوزارة، لتغطية استهلاك محلي يتراوح بين 15 و15.5 ألف طن، إلى جانب نحو 4 آلاف طن مخصصة للتصدير.

لكن الإنتاج الفعلي يبقى مرتبطًا بقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وقطف الثمار، إذ قال فياض إن الإنتاج قد يصل إلى نحو 21.5 ألف طن إذا تمكن المزارعون من الوصول إلى كامل المساحات المزروعة.

وفي قراءة نشرها في 17 تشرين الأول/أكتوبر، قال فياض إن أسعار الكيلوغرام من الزيت الجديد تراوحت بين نحو 40 شيكلًا في شمال الضفة، و52 شيكلًا في رام الله والقدس، ونحو 67 شيكلًا في الخليل، وصولًا إلى نحو 80 شيكلًا في بيت جالا.

وتوقع فياض أن تتراجع الأسعار مع تقدم الموسم ودخول معظم الإنتاج إلى الأسواق وانحسار ذروة الطلب، لافتًا إلى وجود مخزون من الموسم السابق وكميات مستوردة وزيوت أخرى متداولة في السوق.

بين السعر والمنشأ

لكن انخفاض السعر المتوقع للزيت المحلي لا يحسم مسألة الزيت الذي يباع حاليًا على أنه سوري. فالمشكلة، وفق المصدر الرسمي، ليست أن الزيت السوري يجب أن يكون مغشوشًا، وإنما في غياب سلسلة واضحة يمكن للمستهلك والجهات الرقابية من خلالها معرفة كيف وصل المنتج من بلد المنشأ إلى رفوف المتاجر وصفحات البيع في الضفة.

ويقول المصدر إن الزيت الذي يتحرك خارج القنوات الرسمية يصبح أكثر عرضةً لإعادة التعبئة والخلط وتغيير بيانات المنشأ، خصوصًا إذا انتقل بين أكثر من وسيط قبل وصوله إلى السوق.

وهكذا يصبح السؤال الذي تطرحه العبوات المعروضة اليوم أوسع من السعر المكتوب عليها: إذا كان الزيت سوريًا فعلًا، فمن استورده؟ وكيف دخل؟ وأين عبئ؟ ومن فحصه؟ وهل يمكن تتبع الكمية الموجودة داخل التنكة منذ مصدرها وحتى وصولها إلى المستهلك؟

وهي أسئلة تكتسب أهميةً إضافيةً في سوق تقول الحكومة إنها تكثف الرقابة عليه بعد ضبط كميات من الزيت المغشوش في أكثر من محافظة، بينما يواصل تجار عرض زيت مجهول المسار تقريبًا على الملأ تحت اسم "الزيت السوري".