الأحد:
2026-10-25

مجلس القضاء: لا تعليمات بشأن "الاسترحام".. فلماذا تراجع تخفيض مخالفات السير؟"

نشر بتاريخ: 25 أكتوبر، 2026
مجلس القضاء: لا تعليمات بشأن "الاسترحام".. فلماذا تراجع تخفيض مخالفات السير؟"

رام الله مكس- رغم عدم صدور أي تعليمات مكتوبة أو شفوية للقضاة بتغيير طريقة التعامل مع طلبات تخفيض مخالفات السير، وفق مجلس القضاء الأعلى، يقول مواطنون ومحامون إن ما كان يجري لسنوات أمام المحاكم تغيّر عملياً خلال الأشهر الأخيرة، مع تراجع واضح في تخفيض قيم المخالفات.

والمسألة، وفق أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين المحامي أمجد الشلّة، لا تتوقف عند قيمة الغرامة؛ إذ يرى أن استمرار هذا التحول قد يدفع مزيداً من المواطنين إلى إنكار المخالفات أمام القاضي، ما يعني السير في قضايا جديدة وإضافة ملفات إلى محاكم تعاني أصلاً من ضغط القضايا.

وقال الشلّة لـ"الاقتصادي" إن الطريقة التي جرى العمل بها لسنوات كانت تقوم على مثول المخالف أمام القاضي، الذي يسأله عما إذا كان مذنباً بالمخالفة المسندة إليه، وفي حال الإقرار بها يصدر القاضي قراره، وكان تخفيض قيمة الغرامة يجري في حالات عديدة.

لكن مراجعين تحدث إليهم "الاقتصادي" أفادوا بأن مخالفات كان يجري تخفيضها في السابق باتت تثبت بقيمتها الأصلية في حالات متزايدة. وفي نماذج سبق أن رصدها الموقع، كانت مخالفة بقيمة 150 شيكلاً تنخفض في بعض الحالات إلى نحو 100 شيكل، فيما كانت مخالفات بقيمة 300 شيكل تنخفض إلى 150 أو 200 شيكل.

ولا تمثل هذه الأرقام تعرفة رسمية أو نسبة ثابتة للتخفيض، وإنما أمثلة على ممارسة كانت شائعة بحسب المراجعين. هذا التغير دفع "الاقتصادي" إلى سؤال مجلس القضاء الأعلى عما إذا كانت قد صدرت تعليمات أو توجيهات جديدة بهذا الخصوص.

ورد المجلس بالنفي، مؤكداً أن المجلس والإدارة القضائية "لا يصدران أي تعليمات خطية أو شفوية للقضاة بشأن قبول طلبات تخفيض الغرامات المرورية أو رفضها"، وأن القضاة مستقلون ويحكمون وفق القانون وضميرهم القضائي، فيما تخضع أحكامهم لرقابة المحاكم الأعلى من خلال طرق الطعن المقررة.

لكن المجلس أوضح في الوقت ذاته أن عدم وجود تعميم لا يعني أن نتائج طلبات التخفيض يجب أن تبقى كما كانت في السابق، إذ تختلف التقديرات القضائية باختلاف طبيعة المخالفة وظروف ارتكابها وخطورتها وتكرارها.

كما شدد في ردة لموقع "الاقتصادي" على أن تخفيض الغرامة في قضايا سابقة لا ينشئ للمواطن "حقاً مكتسباً" في الحصول على تخفيض مماثل في قضايا لاحقة.

وفرّق المجلس بين الاعتراض على المخالفة وطلب تخفيض قيمتها. فحق المواطن في الاعتراض وتقديم دفوعه وأدلته والدفاع عن نفسه، بحسب الرد، مكفول قانوناً، لكن إقراره بالمخالفة لا يؤدي تلقائياً إلى تخفيض الغرامة، كما أن تقديم طلب التخفيض لا يعني بالضرورة استحقاقه.

ويخضع تقدير العقوبة، وفق المجلس، للنص القانوني والصلاحيات الممنوحة للقاضي المختص بموجب قانون المرور رقم 5 لسنة 2000 وتعديلاته وقانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 وتعديلاته.

وهنا تظهر النقطة التي يركز عليها الشلّة. فإذا كان المواطن لا يريد الإقرار بالمخالفة، يمكنه أن يقول أمام القاضي إنه "غير مذنب"، وعندها تسير الدعوى وفق الإجراءات القضائية المقررة ويصبح من حقه تقديم دفاعه وأدلته.

ويرى الشلّة أن زيادة اللجوء إلى هذا الخيار قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة لأي مسعى لتخفيف العبء عن المحاكم، لأن المخالفة التي كان يمكن حسمها سريعاً قد تتحول إلى قضية تحتاج إلى إجراءات وجلسات.

وقال إنه ينصح المواطن الذي يريد منازعة المخالفة بألا يقر بها، وأن يتمسك بأنه "غير مذنب"، مؤكداً في الوقت ذاته تأييده لاستمرار السياسة التي كان معمولاً بها سابقاً في التعامل مع المخالفات.

مجلس القضاء نفسه أقر في رده بأن نظر هذه الدعاوى قد يرتب "أعباء إضافية على المحاكم"، لكنه شدد على أن ذلك لا يجوز أن ينتقص من حق المواطن في إنكار المخالفة، باعتبار ضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة من المبادئ الأساسية.

وهكذا يلتقي الطرفان عند حقيقة واحدة، وإن اختلفا في تقييم نتيجتها: إنكار المخالفة يمكن أن يضيف قضايا جديدة إلى المحاكم.

لكن بينما يرى الشلّة في ذلك سبباً إضافياً للإبقاء على المرونة السابقة في التعامل مع المخالفات، يؤكد مجلس القضاء أن تقدير كل قضية يبقى من صلاحية القاضي، وأن هدف العقوبات المرورية لا يقتصر على تحصيل الغرامات، وإنما يشمل الردع وحماية مستخدمي الطريق والحد من السلوكيات الخطرة.

وأشار المجلس كذلك إلى استخدام برنامج "الميزان" للاطلاع على الأحكام السابقة المتعلقة بالمخالفات المرورية، بما يساعد القاضي في تقدير مبررات التخفيض والحاجة إلى الردع، من دون أن تكون نتائج القضايا السابقة ملزمة له.

وتتجاوز القضية خلافاً حول قيمة مخالفة واحدة. ففي عام 2025 سجلت محافظات الضفة الغربية 255,563 مخالفة مرورية، منها 84,025 مخالفة في رام الله والبيرة، و69,138 في نابلس، و53,312 في الخليل، لتشكل المحافظات الثلاث نحو 81% من إجمالي المخالفات المسجلة.

وخلال العام ذاته، سجلت الضفة 15,088 حادث سير أسفرت عن 108 وفيات وأكثر من 10.7 آلاف إصابة.

وبينما يقول مجلس القضاء إنه يدرك الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون، فإنه يؤكد ضرورة الموازنة بينها وبين السلامة العامة وتطبيق قواعد السير.

في المقابل، يرى الشلّة أن الظروف الاقتصادية الحالية تستدعي البحث عن كل وسيلة قانونية يمكن أن تخفف العبء المالي على المواطنين، وأن استمرار الطريقة السابقة في التعامل مع المخالفات أكثر ملاءمة للواقع الحالي.

وبذلك، لا تشير المعطيات إلى قرار مركزي أعلن وقف تخفيض مخالفات السير؛ فمجلس القضاء ينفي صراحة وجود أي تعليمات بهذا المعنى. لكنها في الوقت ذاته لا تنفي ما يرصده المواطنون والمحامون من تغير فعلي في نتائج طلبات التخفيض.

ويبقى السؤال: إذا لم يصدر تعميم أو توجيه جديد، فما الذي يفسر تراجع التخفيض الذي بات يلمسه المراجعون خلال الأشهر الأخيرة؟

بين استقلال كل قاضٍ في تقدير العقوبة، وتغير النتائج على أرض الواقع، يبقى ما يعرف شعبياً بـ"الاسترحام" قائماً من الناحية الإجرائية، لكن الحصول على التخفيض لم يعد، وفق الشهادات التي رصدها "الاقتصادي"، يجري بالصورة التي اعتاد عليها المراجعون في السابق