
خاص – رام الله مكس – كتبَ مجد سمارة
أربعة وأربعون عاماً على رحيل الضمير والفكر الحرّ والصوت الّذي يأبى السكوت في فاجعةٍ لا تقوى على استحضارها الذاكرة دون الإحتضار في تابوتنا الفكري ، ولا تستطيع المرور عنها مرور الكرام في سراديب النسيان دون أن تسترقَ السمعَ لما قاله التاريخُ في هذا اليوم على لسانِ بيروت .
في مثل هذا اليوم في العاشر من نيسان عام ١٩٧٣م أقدمت المخابرات الصهيونية بقيادة إيهود باراك على إغتيال ثلاثةٍ من قادةِ الثورة الفلسطينية وهم المناضل السياسي ، والشاعر كمال ناصر الّذي لا تعد ولا تُحصى إنجازاته على المستوى الفلسطيني والعربي والعالمي والّذي كان يلقب بضمير الثورة كما سماهُ الشهيد الراحل صلاح خلف “أبو إياد” ، والقيادي الفلسطيني كمال عدوان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والشهيد محمد يوسف النجار (أبو يوسف) عضو اللجنة المركزية لحركة فتح واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، عبر عمليةٍ سميت بـ “عملية فردان” نسبةً إلى الشارع الّذي كانوا يسكنونه حيث نُفذت فيه عملية الاغتيال في العاصمة اللبنانية بيروت ، كمال ناصر المسيحي البروتستانتي الّذي أوصى بدفنه بجانب الشهيد غسان كنفاني في مقبرةٍ إسلامية كان أيضاً عضواً في أول لجنة تنفيذية بقيادة ياسر عرفات في عام ١٩٦٩ م .
حين أسس دائرة التوجيه والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية ، وبعدها بعامين قام الكمالان ناصر وعدوان بعقد مؤتمر صحفي ليعلنان فيه تأسيس الإعلام الموحّد الناطق باسم فصائل منظمة التحرير ومنظماتها الشعبية وشخصياتها الوطنية لإزالة الصبغة الحزبية آن ذاك حيث قام ناصر بتغيير اسم مجلة “فتح” إلى “فلسطين الثورة” حيث كان دائماً ما يحمل شعار الوحدة سواء على المستوى الفلسطيني أو العربي حيث قبل هذه الأحداث بأعوام كان قد تلقى وساماً تقديرياً من القائد جمال عبد الناصر على جهوده الّتي بذلها في أواخر الخمسينات ودوره الكبير في المساهمة في الوحدة العربية بين سورية ومصر والّتي استمرت لمدة ثلاثة أعوام وسبعة أشهر .
يطول الحديث عن سيرة هؤلاء القادة الّذين قامت الثورة الفلسطينية على الركائز الّتي كانوا يحملونها هم ومن سبقهم أو تبعهم من القادة الفلسطينيين والعرب مروراً بالأحداث الزخمة الّتي ابتدأت منذ العام ١٩٤٩م إلى تاريخ استشهادهم في العاشر من ابريل عام ١٩٧٣ ، وللمفارقة حيث صادف تاريخ اغتيالهم في ذكرى ميلاد كمال ناصر وهو ذات التاريخ العاشر من ابريل ليرحل عن عمرٍ ناهز ٤٩ عاماً .
الساعات الّتي سبقت الإغتيال
المطعم الّذي اجتمع فيه القادة كمال ناصر وكمال عدوان مع الشهيد صلاح خلف “أبو اياد” ليلة اغتيالهم . كان القادة كمال ناصر وكمال عدوان يتناولان طعام العشاء مع القائد صلاح خلف “أبو إياد” والعديد من القيادات الأخرى في مطعمٍ على شواطئ بيروت ويتبادلون الأحاديث سويةً حول واجباتهم الثورية والوطنية الّتي ينامون ويصحون على تأديتها منذ اللحظة الأولى الّتي قرروا فيها وضع أرواحهم في كفّة الحرية التي تأكل أبنائها بفرحٍ وحشيّ ، دعا الشهيد أبو إياد الشهيد كمال ناصر للمبيت عنده في تلك الليلة ولكن كمال ناصر اعتذر عن ذلك لانشغاله بالكتابات التي كان يعتزم على نشرها في اليوم التالي وكأنه يقول له “القدرُ والوطنُ يودّون مني أن أسير إلى درب الكرامة والشهادة” .
أحداث عملية الاغتيال
الشهيدان كمال عدوان وأبو يوسف النجار كانا يسكنان في ذات المبنى في شارع فردان والشهيد كمال ناصر في المبنى المجاور لهما حيث قُبالة هذه المباني كان هناكَ مطعمٌ صغيرٌ تجلسُ فيه الجاسوسة الصهيونية “إيّال” وهو اسمها الحركي ، حيث لم تعرف هويتها الحقيقة إلى يومنا هذا منتظرةً وصولهم منذ ساعات طويلة لتكون إشارتها مفتاح بدء العملية ، حتى أتت اللحظة الحاسمة في الثانية فجراً لتدخل قوات المخابرات الصهيونية مبتدأةً بالمبنى الذي يقطن فيه الشهيدين كمال عدوان وأبو يوسف النجار اللّذين كانا نائمين بعد يومٍ مرهقٍ وطويل حتى فاجأتهم المخابرات الصهيونية بوجودها في منازلهم ليقول الرصاص الغادر كلمته تاركاً خلفه شهيدين من قادة الثورة الفلسطينية .
الشهيد كمال ناصرفي هذه اللحظات شعر الشهيد كمال ناصر بوجود خطبٍ ما في المبنى المجاور ، نظر من النافذة فلم يجد الحُرّاس بالأسفل ، حينها تأكّد من أنّ الوقت قد حان لوضع القلم جانباً وحملِ البندقية ، اشتبك الشهيد كمال ناصر مع القوات الصهيونية بقيادة إيهود باراك حتى تمكنوا إصابته إصابةً مباشرة بعد نفاذ ذخيرته ، فتقدم إليه إيهود باراك بمسدسه الشخصي ليفرغ في جسده ستأً وعشرين رصاصة ، حيث تقصّد أن يطلق العديد من الرصاصات في يده الّتي يكتب فيها الشهيد كمال ناصر واخرها رصاصةٌ في فمه قاصداً مُتقصداً وكأنهُ يقولُ للناطق باسم الثوة الفلسطينية آنذاك : ما خطته يدك وما قاله لسانكَ هي من دفعتني إلى اغتيالك حيث ذكر ذلك إيهود باراك في سيرته الذاتيه حين تناول موضوع هذه العملية .
الجاسوسة إيال
هي الآن عجوزٌ تعيشُ في مدينة حيفا المحتلّة والّتي قالت في مقابلة مع صحفي فرنسي بعد العملية بسنوات طويلة : لستُ نادمة عما فعلت ؛ ولو أتيحت لي هذه الفرصة على مدار حياتي لن أقول لا ، واكملت “كنا نعتقد بأننا سنقوم بالعملية في غضون ساعة ولم نتوقع بأننا سنمكث أربعة أو خمسة ساعاتٍ لاتمامها” .
الجاسوسة ايالمن ناحيتها رئيسة الحكومة الصهيونية آنذاك “چولدا مائير” والّتي طالبت برأس كمال ناصر بكل السُبُل كانت قد قالت في حديثٍ سابق مع القائد العسكري الصهيوني “موشيه ديّان” : إذا متتُّ قبل اتمام هذه العملية عليكَ أن تكملها من بعدي ، لتمضي ليلة العاشر من ابريل بفاجعة مؤلمة وقاسية باغتيال ثلاثةٍ من أبرز قادة الثورة الفلسطينية والّذي يعتبره الإحتلال الصهيوني أحد أعظم انجازاته في تاريخ هذا الصراع .





