الإثنين:
2026-09-14

جاسم يلحق بـ "أبو صالح" شهيداً.. وهل أوفى من صداقة الشهداء ؟

نشر بتاريخ: 10 إبريل، 2017
جاسم يلحق بـ "أبو صالح" شهيداً.. وهل أوفى من صداقة الشهداء ؟

رام الله مكس – رولا حسنين

كان كل شيء على ما يرام، حتى انتشر مقطع الفيديو الذي تنادي فيه والدة الشهيد محمد الحطاب على وحيدها محمد بعد استشهاده، انقلب المشهد، لم نعد نسمع اسم محمد حتى ربطنا صدى صوت أمه وهي تناديه بحسرة قلبها على أن يستيقظ وما من مجيب، أجزم أن كل من شاهد الفيديو بكى على ابو صالح ووالدته دون أن يعرفهما، أجزم أن أبو صالح فاجعنا جميعاً، فاجع أزقة مخيم الجلزون شمال رام الله حيث ترعرع ونما وشبّ على حب الوطن السليب، ومطالباً بحق العودة.

اليوم وما زال المخيم في فاجعته، يتسلل اليه نبأ استشهاد الطفل جاسم نخلة -16 عاماً- أحد أصدقاء الشهيد الحطاب الذي رافقه حتى آخر لحظاته، ولكنه تأخر في استشهاده أسبوعين فقط، لو تعلم يا جاسم أن المخيم لم يتخطَ بعد فاجعة استشهاد محمد الحطاب لما رحلت، وخيّم رحيلك حزناً تقرأه في عيون أطفال المخيم الذين يرددون اسمك في الزقاق وينسجون قصتك من وحي خيالهم، مؤمنين بحقك في الحياة، وبحق الوطن في التضحية، وبحق الأرض أن تتروى بطهارة الشهداء، وبحق الانتقام لدم أبو صالح ودمك، مرددين أنشودة “يا محمد الحطاب يا مسك فايح .. يا هوا الأحباب سلّم على أبو صالح”..

عودة الى الفيديو.. كثيراً من الناس ما انتقد فكرة انتشار لحظة مرعفة والدة محمد الحطاب خبر استشهاد ابنها، على اعتبارات “انسانية”، ولكن لولا الفيديو لما أدركنا حجم الألم الذي حلّ بوالدة محمد، ولكانت جدران منزلها الشاهد الوحيد على صوتها المتكرر وصداه يرتد الى قلبها دون اجابة وحيدها، ولكان المخيم وحده شاهداً على جولاتها ما بين بيتها ومقبرة المخيم، كالفيديو والصور التي تصلنا من سوريا ومصر واليمن وبورما حيث الظلم يقتل الناس دون رحمه، فلو غابت الكاميرات أتراها ستصلنا صور الظلم، وسنبكي مراراً على طفل فقد عائلته وآخر غرق في بحر الهجرة، وآخر قتلته قنبلة لا دين لها، فأنصفوا اليوم والدة جاسم، التقطوا لألمها الصور، أخبرونا عن حجم المجزرة التي ارتكبها الاحتلال على مدخل مخيم الجلزون قبل أسبوعين بحق 4 أطفال، 2 منهم اضحوا شهداء، واصرخي يا أم جاسم بملئ فمك ما يكتوي به قلبك، فحرمان الأم من طفلها دون ذنب شيء لا يُغتفر، وحرمانك من جاسمكِ شيء فوق التحمّل، فاخرجي عن صمتكِ وصمت دموعكِ، ونددي بالعيش في ظل الاحتلال، فلتلتقط لكِ الكميرات أقوالاً ستظل في أرشيف الوجع الفلسطيني، دوّنوا أيها الصحفيون المجزرة ووثقوا الألم فرُبّ ثائر خط الدرب ومشى على نهج الثأر لدماء الشهداء..

اليوم يختلف عن الأمس، فوالدة جاسم التي ظلت تحيا على صوت جهاز التنفس الذي وُضع لطفلها منذ أسبوعين، على امل ان يحيا ولو نفساً فقط، خدعها الجهاز وخدعها الرحيل وخدعها كل شيء، ورحل جاسم، اليوم يجتمع جاسم ومحمد بمسميات أخرى، فالذي كان ينعتهم بـ “اللاجئ محمد واللاجئ جاسم”، اليوم سيقول صدق اللاجئ فصار شهيداً “اللاجئ الشهيد جاسم واللاجئ الشهيد محمد”، ومّن سيأتي بعدهم، أمرٌ يحدده القدر ..

سبق وأن دونت عن الشهيد محمد الحطاب، وفي تجليات البحث عن مجريات ما حدث لهم وكيف أعدم الاحتلال ريعان شبابهم، قال أحد المصابين أنه أصيب برصاص الاحتلال فيما كان محمد سليماً، فظل يناشده ألا يستشهد وقال له “اوعى تستشهد قبلي، والله ما يعرف شو يمكن اعمل اذا انت استشهدت” فما كانت لحظات حتى أوجعت رصاصات الاحتلال قلوبنا اذ سرقت محمد وحيد أمه، ولم يسبقه أحد الى الشهادة، واليوم سيغبط أصدقاء محمد صديقهم جاسم اذ لحق به شهيداً.

الى مخيمي الجلزون ، أعانك الله على ما اصابك من فقد، فجاسم رحل محمّلاً اياك وشبابك أمانة الثأر المقدس لدمه ودم صديقه محمد من قبله، وعشرات الشهداء منذ القِدم، فكن يا مخيمي أهلاً للأمانة، وأرنا النصر، ومجدداً سنغني “شوارع المخيم تعجّ بالصور شهيدنا تكلم فأنطق الحجر”..

(وطن)