
رام الله مكس – ورود ثوابتة
قهقهاتٌ عالية, كلمات جارحة, سخرية تبيد بقلب ضعيف, إلى متى؟!
أغلب العرب ــ”مسخرجيون”ــ لا يقدروا مشاعر من حولهم, فكثير ما يسخرون من الاخرين خصوصا فئة ذوي الإعاقة, يتعرضون للسخرية والإهانة وكأنهم من خلقوا أنفسهم, الجمعات هي من تخلق هذه الحركة اللعينة المكروهة لما ينتج عنها من آثار أليمة على صاحبها, فيعرض نفسه لتساؤلات قد تجعل منه شخصاً منعزلا فينجر لزاوية التعساء بسبب تعامل المجتمع القبيح معه.
معين سامي الفتى صاحب البسمة المرسومة على شفاهه والقلب الحساس الطيب صاحب القامة القصيرة والأحلام الكبيرة, صاحب الجسم بطيء النمو والعقل الكبير واسع الخيال, صاحب عربة الكعك والفلافل المزينة بلمسات يديه الصغيرتين, الفتى الذي يناديه الناس بجمعاتهم ليتخذوه موضوع نقاشهم من اجل الضحك والتسلية. بدأ ببيع الكعك في سن الرابع عشر من عمره وذلك ليعيل والده ويساعده في توفير قوت يومهم, معين يسري منذ طلوع الشمس إلى مغيبها لكي يجمع ما تيسر له من رزق, يمشي في شوارع بيت لحم زقةٍ زقة وينادي” كعك يلا يا كعك” تلك النغمة الخاصة بمعين والتي لا ينطرب بها يومه إلا عند تلحينها.
يضرب ويهان إذا لم يأتي بالمبلغ المعيَن من قبل والده بشكل يومي, لا يقدر والده ما يفعله معين رغم وضعه الصحي الذي لا يسمح له بالعمل والإرهاق, بكل يوم يعود به معين إلى البيت يكون خائفا من والده بأن لا يرضى بما قسم الله له من رزق فيضربه أمام اخوته الأصغر منه, مع العلم أنه يعمل جاهدا يلفلف بالأسواق والشوارع لكي يكسب قدر المستطاع , إلا انه ما باليد حيلة والأرزاق من عند الله.
الأب داخل البيت والناس خارجه, الكل يستغله ويجعلون منه محطاً للسخرية والتسلية, كما قال معين” أبوي والناس والدنيا عليا”, يسخرون من قامتي القصيرة إلا أنه” الدنيا دوارة “, فهو يرى أن لا مفر لأحد جعله لعبة أو أداة للتسلية فالكل سينال عقابه عاجلا ام آجلا.
يضع رأسه على الوسادة لكي يرتاح من هموم الدنيا وينساها, إلا أن ذاكرته تبدأ بإعادة ما حصل معه فتبدأ حالة البكاء والتحسر والتساؤلات المعتادة التي تدور برأسه الى متى؟! لماذا؟! كيف؟!,,, فما ذنب هؤلاء وما المتعة بتعذيبهم وتجريح قلوبهم الصغيرة التي لا تتحمل؟؟!
فعتبة المنزل تشهد على ألم معين, حين يتلوى حسرة على عمره وناصية أحلامه التي لطالما كان واقفا على حفتها رافعا يديه وينشق الهواء العليل ليتغلغل رئتيه ويرسم بسحاب السماء أحلامه التي ضاعت تحت عجلات عربة الكعك والتي يرى أنها سبب في خطفها وحرمانه منها, دموعه الساخنة والمنسكبة على وجنتيه عندما يرى ابناء جيله , حرقة قلبه وعضته على شفاهه لزمنٍ حق المسكين فيه ضائع, رفقا بمن خلقهم الله ضعفاء البنية الجسدية فلا ذنب لهم , اهتمام بسيط دفئ ورعاية حب وحنان سيبهر المجتمع بطاقاتهم الإيجابية العجيبة فأكثر الإنجازات تحققها تلك الفئة التي بأعين الناس لا شئ لكن هم كل شئ , فهم ليسوا نكرة ولا بلا عزيمة, هم الفئة التي تستحق الاهتمام والعناية .
“معنوياتي عالية, رغم انهيار جسدي” صحيح ان معين يبكي كل ليلة خفيتاً عن اخوته, لكنه الفتى الوسيم صاحب الابتسامة الباهرة والمعنويات العالية والذي لا يبين لاحد انه من الممكن ان يؤثر بنفسه او من عزيمته فإصراره على القوة والثبات رغم الجسم النحيل الضعيف, فهو تعرض كثيرا لمواقف من قبل الشباب بأخذ السجائر والملبس, الإ أنه دائما واعي بهذه الأمور خشية من أن تكون سجائر الحشيش التي قد تدمر عقله وصحته في الوقت نفسه.
يرى نفسه أنه البطل الوحيد لإخوانه, فهو مصدر الدعم المعنوي لهم ودائم التشجيع والتحفيز ف” فاقد الشيء يعطيه ببذخ” هذا ما لم يملكه معين ولأنه فاقده من عائلته والمجتمع يعطيه لإخوته لكي يعوض ويحقق ما لم يستطيع تحقيقه.
جمعية حقوق الإنسان هي المكان الوحيد الذي يحلم به معين ليتخذ منها جهة داعمة ومساندة له, متأملا ان تضمن له تحقيق أحلامه, فحلمه أن يدخل عالم الصناعة خصوصا أن لديه قدرة على التفكير والتحليل التي تجعله ناجحا في هذا الفرع, معين يعرف أن هذه كلها مجرد أحلام لأنه ما من مشجع له ولا من مهتم بأمره, لكن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس, فلا يعجز الله شيء ومن الممكن الحلم يصبح واقع يوما ما ويرسل الله لمعين أحد يرعاه ويتبنى أحلامه ليحققها.





