الخميس:
2026-09-17

أربعةٌ على مذابح الحرّيّة

نشر بتاريخ: 05 يونيو، 2017
أربعةٌ على مذابح الحرّيّة

رام الله مكس – كتب محمد تركمان

لعلّ القدر يخبّئ الكثيرَ لسلواد، هذه القرية الّتي لطالما قدّمتْ كثيرًا من الشّهداء فترةَ الانتفاضة الأخيرة، انتفاضة القدس، فكانت قائدة الصّراع بأرواح شبابها الّذين ما فتئوا يقدّمون كلّ غالٍ ونفيس، ولعلّ عائلةَ حمّاد، كانتْ قربانًا على مذبح الحريّة، حريّة الوطن، ذاك أنّ الشّهداء لا يموتون أبدًا، وليس فقط الثّوريون.

حينما نصعدُ سياراتنا، ننوي أن نصلَ إلى مكانٍ ما في حدود هذه الدّنيا، غيرَ أنّ أنس حينما يركبُ سيارته (الهونداي)، يبغي الوصول إلى مكانٍ بعيد عنّا، يبغي الحياةَ الآخرة، ولا يقصّر في أن يأخذ معه أرواحًا أُخر، أرواحٌ لا تتكلّم لغتنا، ولا تآلفَ بيننا ولا تجانس؛ بل حربٌ بين الحقّ والباطل، ولا بأسَ إن كانت السّيارةُ غيرَ مسموحٍ لها السّير على الشّارع، فالضّرورات تبيح المحظورات.

يومَ الرّابع من ديسمبر، 2015، استشهدَ أنس، إذ نفّذ عمليةَ دهسٍ على مدخلِ قريته، سلواد، شمال شرق رام الله، أظهرَ مقطع “فيديو” جنودَ الاحتلال مبعثرين على شارع سلواد، ولمّا يصرّح الاحتلال عن حالتهم وخسائره.

لم يكن أنس ذبيحَ الحريّة الأوّل في هذي العائلة؛ فالحادثُ لا بدّ له من مُحدِث، والشّبلُ لا بدّ له من أسد، كان والدُ أنس (بسّام حمّاد) وهو إمامٌ وخطيبٌ في مسجدٍ من مساجد سلواد، قد اعتقلَ إثرَ عملية ابنه، اعتقالًا هو الثّامنُ في حياته، هذا الأبُ الّذي سيظهرُ بعدَها أنّه نذرَ أولادَه ليكونوا أصحابَ قضية، ولنعمَ القضية إن كانت (فلسطين).

بعد أيّامٍ عشرةٍ من استشهاد نجله أنس، سُجنَ أبو أنس وحُكم بالإداريّ، بينما هو بين جدران القسم 12، في سجن عوفر، يرقدُ ابنُه في ثلّاجات الموتى، ينتظرُ العودةَ إلى سلواد،ينتظرها وهو مسجّى لا حراك، وقلوبُ الأهل يكادُ يقتلُها ظمأ الشّوق والحزن.

يتذكّر الوالد من سجنه صديقَ أنس، الشّابّ محمّد عبد الرّحمن عيّاد، الّذي عاد من الولايات المتحدة الأمريكيّة فورَ سماعه نبأ الاستشهاد، يتذكّره بأسىً حينَ كانا يتسامران بعد استشهاد أنس، يضحكان حينًا ويبكيان أحيانًا، يخفّفان عن بعضهما.

يتذكّر كلّ هذا، حينَ سمع خبر استشهاد صديقِ أنس (محمّد عيّاد) بعد 14 يومًا من استشهاد فلذة كبده الأولى، سمع الخبرَ من السّجن، ولمّا يكد يصدّق؛ حتّى أظهرَ التّلفاز صورةَ الشّهيدين معًا على عاجل الأخبار، ولقد صدقَ حين قال: “كانا صديقين، الرّوح بالرّوح” فلم يرضيا أن يأخذ أحدُهما من هذه الدّنيا أكثرَ من الآخر، فكما أن الفرق بينهما 14 يومًا في الميلاد، كان الفرق كذلك وقتَ الوفاة، وفي ذات المكان، وذات الهيئة، بعملية دهسٍ أخرى.

ولم ينسَ أبو أنس زجاجةَ العِطر الفاخر وساعةَ اليدِ اللّتيْن أهداهما الشّهيد لوالد الشّهيد، لتظلّا من الذّكريات الّتي تذهبُ بالقلبِ بعيدًا في مجاهيل الحزن، كلّما مضى عقربُ الوقت أو فاحتْ ريحُ الشّهادة.

كلّ هذا وما بلغَ الحزنُ أوجَه، وما استوفى مذبحُ الحريّة بَعْدُ أهلَه وخلّانَه، كلّ هذا وأبو الأُنْسِ أنيسُ وحشتِه بين جدرانٍ عفنة، أكلَ الدّهرُ عليها من أعمار الأسرى وشرب، يوزّع الهمومَ على أبنائه الشّهداء، ويقتطعُ من القلبِ مساحةً يخصّصها للبيتِ الّذي حنّ له واشتاق، تركَ فيه عبد الرّحيم، الابنُ الثّاني بعد أنس يقومُ على شؤونه بعد غيبته، وتلكَ وحدَها مسؤوليةٌ تعبّد الطّريقَ لجيلِ هذهِ العائلة، يتحمّل مسؤولياته منذ الصّغر.

بعدَ أربعة أشهرٍ، اعتُقِل عبدُ الرّحيم، اعتُقِل لتنتظره أقبية التّحقيق، في بتاح تكفا، الجلمة، وأخيرًا في مجدو، لمدةِ 55 يومًا، كان القدر يرسمُ لقاءَ الأبِ بابنه، بعدما حرمَ لقاءَ الابن الشّهيد بوالده، 55 يومًا خرجَ عبد الرّحيم لا عليه ولا له، كأنّه الإنسان؛ بيد ألّا روحَ فيه، في هذا الوقت، كان أبو أنس يُخيّل إليه كلُّ صريرِ بابٍ يُفتح يحملُ إليه عبدَ الرّحيم، ليطولَ الانتظار، ويلتقيا نهايةَ الأمر، يلتقيا في الأسر، لتعيد هذي الحادثة إلى الأذهان إنشاء الأسرِ من داخل السّجون، تهريبَ النّطفِ وولادةَ الأطفال في هذي السّجون، هذا الشّعبُ الّذي يُصرّ على أنّ الجيلَ القادم “يَنبتُ حيثُ يرويه الدّم”.

خرجَ بعدَها عبدُ الرّحيم، وظلّ والدُه هناك يروّي القلبَ بأملِ اللّقاء، لم يلبث عبد الرّحيم بعدَها ليعودَ مرّة أخرى ليحكم عليه بالسّجن الإداريّ، ومن ثمّ انقلبتِ الحادثة، فخرجَ أبو أنسالسّاعة 12 منتصفَ اللّيل، وظلّ عبد الرّحيم أسيرًا هذه المرّة.

تلكَ اللّيلة، كانت القِبلةُ حيثُ الشّهيدان، في مقبرتهما، قصدَهما قبلَ البيت، وقصد قبرَ الشّهيدة (مهديّة حمّاد) بعدما أوصاه ابنها الأسير زكريا أن يسلّم عليها، فبثّ بعضًا من لواعج قلبه وأحاديثه لابنيه الشّهيدين أنس، ومحمّد عيّاد.

ولحظة تسجيلي لهذي القصّة، لم أدرِ أنّ أبا أنس سيعودُ إلى الاعتقال بعد أن أمضى عشرةَ أشهر، إذ لم يمضِ على حديثنا غيرُ ساعات.

فدائي الوطن الرّابع، تقوى حمّاد، كانت تستعدّ لامتحانات الثّانويّة العامّة، وهي الشّغوفة والمتفوّقة الّتي لا تغادر كتابَها إلّا وقتَ الحاجةِ إلى نسَمَات الهواء العليل، بين جبال سلواد الجميلة، فخرجَت لتنعمَ بها، ولم تنسَ كتابَها بالطّبع.

على نشرة الأخبار، سمع الأهلُ خبرَ إصابةِ فتاةٍ من سلواد قرْبَ مغتصبة (عوفرا) فطفقوا يسألون صديقاتِها والأقارب عنها، ولا خبرَ، ومع الخبرِ وطبيعة الحدث حدّثهم القلبُ أنّ المصابةَ هي (تقوى)، فسادَ البيتَ حالةٌ من الحزنِ الشّديد والبكاء، إذ أغميَ على أمّ أنس نتيجةَ الخبرِ هذا.

تمّ التّواصلُ مع الارتباط الفلسطينيّ؛ للتّأكّد من هويّة المصابة، وانتهى الخبرُ بأنّ الإسعاف الإسرائيليّ نقلّها إلى مستشفى (هداسا)، ومن ثمّ أصدرَ الاحتلالُ الإسرائيليّ قرارًا باحتجاز (تقوى) الّتي ما كانت إلّا رمزًا للفتاة الفلسطينيّة الصّابرة وجزءًا من العائلة الفلسطينيّة المضحّية.